اليعقوبي

18

البلدان

واختطت العرب في هاتين المدينتين خططها إلا أن القوم جميعا قد انتقل وجوههم وجلتهم ومياسير تجارهم « 1 » إلى بغداد . ولم ينزل بنو أمية العراق لأنهم كانوا نزولا بالشام ، وكان معاوية بن أبي سفيان « 2 » عامل الشام لعمر بن الخطاب ، ثم لعثمان بن عفان « 3 » عشرين سنة ، وكان ينزل مدينة

--> ( 1 ) مياسير تجارهم : التجار الأغنياء الموسرين . ( 2 ) معاوية بن « أبي سفيان » صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، القرشي الأموي المولود سنة 20 ق . ه / 603 م ، مؤسس الدولة الأموية في الشام ، أحد دهاة العرب المتميزين الكبار . كان فصيحا حليما وقورا . ولد بمكة ، وأسلم يوم فتحها سنة 8 ه ، وتعلّم الكتابة والحساب فجعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في عداد كتّابه ، ولما ولي أبو بكر ولّاه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان ، فكان على مقدمته في فتح مدينة صيداء ، وعرقة ، وجبيل ، وبيروت . ولما ولي عمر جعله واليا على الأردن ، ورأى فيه حزما وعلما فولّاه دمشق بعد موت أميرها يزيد ( أخيه ) وجاء عثمان فجمع له الديار الشامية كلها وجعل ولاة أمصارها تابعين له . قتل عثمان فولي علي بن أبي طالب فوجّه لفوره بعزل معاوية ، علم معاوية بالأمر قبل وصول البريد ، فنادى بثأر عثمان واتّهم علي بن أبي طالب بدمه ، ونشبت الحروب الطاحنة بينه وبين علي . وانتهى الأمر بإمامة معاوية في الشام ، وإمامة علي بن أبي طالب في العراق ، ثم قتل علي بن أبي طالب وبويع بعده ابنه الحسن بن علي بن أبي طالب ، فسلّم الخلافة إلى معاوية سنة 41 ه . ودامت لمعاوية الخلافة إلى أن بلغ سنّ الشيخوخة ، فعهد بها إلى ابنه يزيد ومات في دمشق سنة 60 ه / 680 م ، له 130 حديثا . وهو أحد الفاتحين في الإسلام . ( 3 ) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ، من قريش ، أمير المؤمنين ، ذو النورين ، ثالث الخلفاء الراشدين ، وأحد العشرة المبشرين . من كبار الرجال الذين اعتز بهم الإسلام في عهد ظهوره . ولد بمكة سنة 47 ق . ه / 577 م ، وأسلم بعد البعثة بقليل . وكان غنيا شريفا في الجاهلية . ومن أعظم أعماله في الإسلام تجهيزه نصف جيش العسرة بماله ، فبذل ثلاثمائة بعير بأقتابها وأحلاسها وتبرع بألف دينار ، وصارت إليه الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب سنة 23 ه ، فافتتحت في أيامه أرمينية ، والقوقاز ، وخراسان ، وكرمان ، وسجستان ، وإفريقيا ، وقبرس ، وأتمّ جمع القرآن ، وكان أبو بكر قد جمعه وأبقى ما بأيدي الناس من الرقاع والقراطيس ، فلما ولي عثمان طلب مصحف أبي بكر وأمر بالنسخ عنه وأحرق كلّ ما عداه . وهو أول من زاد في المسجد الحرام ومسجد الرسول ، وقدم الخطبة في العيد على الصلاة ، وأمر بالأذان الأول يوم الجمعة ، واتخذ الشرطة وأمر بكل أرض جلا عنها أهلها أن يستعمرها العرب المسلمون وتكون لهم . واتخذ دارا للقضاء بين الناس ، وكان أبو بكر وعمر يجلسان للقضاء في المسجد ، روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم 146 حديثا . نقم عليه الناس اختصاصه أقاربه من بني أميّة بالولايات والأعمال ، فجاءته الوفود من الكوفة ، والبصرة ، ومصر ، فطلبوا منه عزل أقاربه ، فامتنع ، فحصروه في داره يراودونه على أن يخلع نفسه ، فلم يفعل ،